U3F1ZWV6ZTE5MTg1MTI3MDgwMzk5X0ZyZWUxMjEwMzYzNzExNjY0NQ==

فن البساطة رحلة العودة إلى الذات في عالم مزدحم

 الرواقية والحياة البسيطة

في عالم اليوم الذي يتسارع فيه الإيقاع، وتتكدس فيه الالتزامات والمغريات المادية، يبدو أن فكرة العيش بحياة بسيطة أصبحت أمراً بعيداً عن الواقع. لكن، هل تساءلت يوماً عن السبب الذي يجعل الكثيرين يبحثون عن التعقيد في حين أن البساطة تكمن في جوهر السعادة الحقيقية؟ في هذا المقال، سنستعرض أسباباً تجعل من العيش بحياة بسيطة الخيار الأذكى، مستندين إلى تجارب بشرية ودراسات نفسية، مع نصائح عملية تساعدك على تبني هذا الأسلوب. سنناقش كيف تعيش حياة بسيطة وبسعادة، وكيف نعيش حياة بسيطة بشكل عام، وأخيراً كيف نعيش الحياة بطريقة صحيحة تجمع بين الرضا والتوازن.

قبل أن نغوص في الأعماق ، دعنا نحدد مفهوم الحياة البسيطة. البساطة ليست مجرد تقليل الممتلكات أو الابتعاد عن الرفاهية ؛ إنها فلسفة الحياة التي تركز على الأساسيات التي تضيف قيمة حقيقية. إنه اختيار واع للتخلص من الفوضى المادية والعاطفية والفكرية ، والتركيز على ما يهم حقا: العلاقات الإنسانية ، والصحة ، والسلام الداخلي ، والمساهمة في المجتمع. نجد في الثقافة العربية أمثلة تاريخية على ذلك ، مثل حياة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ، الذي عاش ببساطة على الرغم من قدرته على إثراء نفسه ، أو الفلاسفة مثل أبو حيان التوحيدي الذي أشاد بالزهد كوسيلة للتحرر.

في عصرنا الحديث ، حياة بسيطة أصبح رد فعل طبيعي على الإفراط في الاستهلاك. أكدت دراسة نشرتها جامعة هارفارد حول السعادة ، والتي استمرت لأكثر من 80 عاما ، أن السعادة الحقيقية تأتي من العلاقات الاجتماعية القوية وليس التراكم المادي. فلماذا نعتبر هذا الخيار الأذكى ، لأنها توفر الطاقة والوقت ، وتحمي من الإرهاق ، وتفتح الباب للإبداع والرضا.

التبسيط  ثورة الوعي في عصر الترف المفرط :

في لحظة مبكرة من تاريخ الحداثة، وقبل أن تبتلعنا الشاشات وتسارع الإيقاع، توقف هنري ديفيد ثورو ليسأل سؤالًا بدا بسيطًا لكنه كان خطيرًا: لماذا نعيش بهذه الدرجة من التعقيد؟ أدرك ثورو أن ما نسميه «حياة متقدمة» ليس بالضرورة حياة أعمق أو أصدق، بل قد يكون شكلًا أنيقًا من أشكال العبودية الطوعية. فالإنسان الحديث لا يُستعبد بالسلاسل، بل بالالتزامات، بالفواتير، بالتوقعات الاجتماعية، وبسباق لا ينتهي لإثبات الجدارة. حين اختار ثورو العيش في كوخ صغير قرب بحيرة والدن، لم يكن يرفض المجتمع بدافع الرومانسية أو العزلة، بل كان يحاول أن يرى الحياة كما هي، بعد أن أزال عنها كل ما هو زائد، ليتحقق إن كانت تستحق أن تُعاش بهذا الثمن الباهظ.

كانت تجربة والدن في جوهرها تجربة وعي. أراد ثورو أن يختبر فكرة مزعجة: ماذا لو كان معظم ما نكدّس حول حياتنا غير ضروري؟ ماذا لو أن السعادة، والرضا، والإحساس بالمعنى لا يحتاج كل هذا الاستهلاك، ولا كل هذا اللهاث؟ في عزلته البسيطة، اكتشف أن الإنسان كلما امتلك أقل، أصبح أكثر حضورًا، وأكثر اتصالًا بنفسه وبالعالم من حوله. لم يكن الفقر هدفه، بل الحرية. الحرية من الحاجة الدائمة للمزيد، ومن الخوف المستمر من فقدان ما جمعه. وهنا كانت الصدمة الحقيقية: إذا كان بالإمكان أن تعيش حياة جيدة، بل أعمق، بموارد أقل، فإن النظام بأكمله الذي يقوم على إقناعك بأن «المزيد هو الحل» يبدأ بالاهتزاز.

هذا الاكتشاف هو ما يجعل أفكار ثورو مزعجة حتى اليوم. لأنه حين تدرك أن معظم تضحياتك ليست حتمية، بل خيارات، يتغير كل شيء. الوظيفة التي تستنزف روحك لم تعد قدَرًا، بل صفقة قبلت بها. الديون الطويلة، قرض الرهن العقاري لثلاثين عامًا: خيار، نمط العيش المكلف : خيار، السعي المحموم وراء مظاهر النجاح… كلها قرارات يمكن إعادة النظر فيها. التبسيط، في هذا المعنى، ليس انسحابًا من الحياة، بل استعادة لها. إنه فعل هادئ لكنه ثوري، لأنك حين تقلل من احتياجاتك، تقلل تلقائيًا من سيطرة العالم عليك. وهنا، بالضبط، تستيقظ من غيبوبة الحداثة: لا لتعيش أقل، بل لتعيش بوعي، وباختيار، وبحياة تشبهك أنت، لا ما فُرض عليك أن تكونه.

الاقتصاد الخفي: كم تدفع من حياتك مقابل ما تملك؟

كتب ثورو: "ثمن أي شيء هو مقدار الحياة التي عليك أن تضحي بها مقابل الحصول عليه". هذه العبارة ليست مجرد استعارة شعرية، بل هي معادلة رياضية دقيقة وقاتمة. أنت لا تدفع بالمال؛ المال مجرد وسيط. أنت تدفع بالساعات والأيام والسنوات التي تقضيها في العمل للحصول على ذلك الشيء. أنت تدفع بجزء غير متجدد من وجودك: وقتك الواعي على هذه الأرض.

تخيل ذلك الحذاء الفاخر بسعر 500 دولار. هو ليس مجرد جلد مخيط، بل هو 20 ساعة من حياتك تحولت إلى عمل. عشرون ساعة لم تقضها مع أحبائك، في التأمل، في القراءة، في العيش الحقيقي. وهنا تكمن القسوة: كل عملية شراء هي عقد عبودية غير مكتوب. أنت لا تمتلك الشيء فقط، بل تلتزم بصيانته وحمايته وتحديثه واستبداله. تبدأ في العمل ساعات إضافية لتدفع تكاليف ما أنفقته بالفعل، فتدخل في دوامة يسميها الاقتصاديون "الاستهلاك التفاخري"، وكان ثورو ليسميها بصدق أكبر: "الانتحار بالتقصير".

البساطة ليست فقرًا جماليًا إنها إزالة الجدران بينك وبين الواقع :

البساطة، كما فهمها ثورو، لا علاقة لها بالفقر الجمالي ولا بالصور اللامعة التي تُسوَّق اليوم بوصفها «حياة بسيطة». ليست غرفة فارغة ولا ألوانًا محايدة ولا أثاثًا باهظ الثمن يتخفى خلف شعار التقشف. البساطة الحقيقية أعمق وأكثر جذرية؛ إنها فعل وعي قبل أن تكون مظهرًا. هي عملية إزالة هادئة ولكن حاسمة لكل ما تراكم بين الإنسان والواقع، لكل ما صار حاجزًا يحول بينك وبين الإحساس المباشر بالحياة كما هي. ليست إضافة أسلوب جديد للعيش، بل نزع طبقات قديمة من التشويش.

عندما اختار ثورو أن يقلل، لم يكن يسعى إلى الصمت من أجل الصمت، بل إلى وضوح السمع. وحين خفّ الضجيج، لم يجد فراغًا مخيفًا، بل وجد حياة نابضة كانت موجودة طوال الوقت. اكتشف أن الواقع، حين يُترك بلا فلاتر ولا شاشات ولا تفسيرات زائدة، أكثر ثراء مما نظن. البساطة، بهذا المعنى، ليست انسحابًا من العالم، بل اقترابًا حقيقيًا منه. هي إزالة الجدران التي بنيناها بأيدينا، لنقف أخيرًا وجهاً لوجه أمام التجربة الإنسانية، كما هي، بلا وسطاء، وبكامل حضورها.

الغنى الحقيقي ثراء الانتباه في زمن تشتت الوعي :

الغنى الحقيقي، لا يُقاس بما تملكه، بل بما تستطيع أن تنتبه له. الثروة ليست في كثرة الأشياء، بل في عمق الحضور. أن تكون قادرًا على أن تعيش لحظة واحدة بكامل وعيك، دون استعجال أو تشتيت، هو شكل نادر من الغنى. حين تزرع شيئًا صغيرًا بيديك، أو تقرأ سطرًا بتركيز صادق، أو تراقب انعكاس الضوء على الماء دون أن تفكر في شيء آخر، فأنت في تلك اللحظة تملك ما لا يمكن شراؤه. الانتباه الكامل يمنح التجربة وزنها ومعناها، ويحوّل أبسط الأفعال إلى لحظات مكتملة. في المقابل، الفقر الحقيقي ليس نقص الموارد، بل تشتت الوعي؛ أن تمرّ بالأيام دون أن تكون حاضرًا فيها حقًا.

نحن اليوم نعيش زمنًا يمكن وصفه بلا مبالغة بـ«عصر فقر الانتباه». كل ما حولنا يتنافس على جزء من وعينا: الإشعارات، الأخبار، الرسائل، الإعلانات، وحتى القلق المستمر من أن نفوّت شيئًا ما. هاتفك لا يطلب انتباهك بل ينتزعه، خطوة بعد خطوة، حتى يصبح ذهنك ساحة مفتوحة لكل شيء عدا اللحظة التي تعيشها. ومع الوقت، لا يعود التشتت حالة عابرة، بل مهارة مكتسبة. نتعلم أن ننتقل بسرعة بين الأفكار، دون أن نستقر في أي منها، ونظن أن هذا هو الذكاء أو الإنتاجية، بينما هو في الحقيقة تدريب يومي على السطحية.

وبعد سنوات من هذا النمط، يحدث شيء أخطر: نفقد القدرة على التعمق. تصبح القراءة مرهقة، والهدوء مزعجًا، والوحدة مخيفة. نخوض عشرات التجارب، لكننا نخرج منها بلا أثر حقيقي، لأننا لم نكن حاضرين فيها. نصبح، كما لو أننا سائحون في حياتنا الخاصة، نمرّ على اللحظات مرورًا سريعًا، نلتقط لها صورًا ذهنية، ثم نغادر دون أن نسكنها. ثورو لم يكن يدعونا إلى الهروب من العالم، بل إلى استعادته عبر الانتباه. فحين تستعيد قدرتك على التركيز، تستعيد ثراءك الداخلي، وتكتشف أن الحياة لم تكن فقيرة يومًا، بل كانت تنتظر فقط أن تنظر إليها بوعي كامل.

العمق مقابل الإنتاجية المعنى في عصر الكفاءة :

يقيس عالمنا الحديث الإنسان بما يُنجزه، لا بما يعيشه. تُختزل القيمة في عدد المهام المنجزة، وسرعة الرد، وكفاءة استغلال الدقائق، حتى أصبح الوقت نفسه مادةً يجب عصرها حتى آخر قطرة. في هذا المنطق، تُعرَّف الحياة الجيدة بأنها حياة «ممتلئة»، لا بالمعنى الوجودي، بل بالمعنى الزمني: جداول مزدحمة، أهداف متلاحقة، وإنجازات تُسجَّل بلا توقف. لكن ثورو، في صمته الطويل قرب بحيرة والدن، رأى شيئًا آخر تمامًا. أدرك أن هذا الهوس بالإنتاجية لا يصنع المعنى، بل يبدده. فالإنتاجية، كما نمارسها اليوم، تسأل: كم فعلت؟ بينما العمق يسأل: ماذا شعرت؟ ماذا فهمت؟ ماذا تغيّر في داخلك؟ وهنا يظهر التعارض الجذري بينهما.

العمق، في جوهره، لا يعترف بالعجلة. لا يمكن أن تُسرّع لحظة فهم صادق، ولا أن تضغط تجربة إنسانية في إطار زمني ضيق دون أن تفقد روحها. كان ثورو يقضي ساعات بل أيامًا في فعل شيء واحد: يتأمل تغير الضوء بين الفصول، لم يكن يتهرب من العمل، بل كان يمارس شكلاً آخر من الوجود. كان يختار أن يكون حاضرًا بدل أن يكون منتجًا، وأن يفهم بدل أن ينجز، وأن يعيش التجربة كاملة بدل أن يمرّ عليها مرورًا سريعًا. هذا النوع من العيش لا يترك وراءه قائمة إنجازات طويلة، لكنه يترك أثرًا داخليًا عميقًا، إحساسًا بالامتلاء لا يمكن قياسه أو عرضه في تقرير.

ولهذا بالذات، يشكّل العمق تهديدًا للنظام القائم. اقتصاد السرعة يحتاج إلى بشر متعجلين، غير مكتفين، ينتقلون بسرعة من رغبة إلى أخرى، ومن منتج إلى آخر. أما الإنسان العميق، فهو أقل قابلية للاستهلاك، أقل اندفاعًا، وأكثر اكتفاءً. ولو اختار عدد كافٍ من الناس أن يعيشوا ببطء، أن يفضّلوا المعنى على الكفاءة، والحضور على الإنجاز، لتصدّعت أسس كثيرة مما نعتبره «طبيعيًا». ثورو لم يكن يدعو إلى الكسل، بل إلى شجاعة الاختيار: أن تختار حياة قد تبدو أقل إنتاجًا من الخارج، لكنها أكثر صدقًا وامتلاءً من الداخل. وفي هذا الاختيار، يكمن سؤال العصر الحقيقي: هل نريد أن ننجز أكثر… أم أن نعيش أعمق؟

حياة بسيطة هيكل من أجل حرية حقيقية :

كان لثورو روتين يومي قد يبدو رتيبًا للعين الحديثة: الاستيقاظ باكرًا، الاستحمام في البحيرة كطقس للتجديد، العمل في الحديقة لربط الجسد بالأرض، القراءة والكتابة بعد الظهر لربط العقل بالمعرفة، التجول في الغابة عند الغسق لمراقبة الطبيعة، التأمل في الليل. لم يكن هذا الروتين سجنًا، بل كان هيكلاً تزدهر فيه الحرية الحقيقية.

قارن هذا بالحياة العصبية المعتادة: الاستيقاظ على منبه لأنك محروم من النوم، تفقد هاتفك فورًا فتستسلم دقائق وعيك الأولى لمتطلبات الآخرين، تسارع في روتين صباحي مصمم للكفاءة لا للمتعة، تعمل ساعات طويلة في مهام تتراوح بين المهم وغير المهم تمامًا، تعود منهكًا تبحث عن ترفيه لا يتطلب منك شيئًا، تنام نوماً متقطعًا. أين أنت في هذه الدوامة؟ أين الشخص الذي يسكن هذا الجسد؟

دعوة إلى التمرد الهادئ :

البساطة ليست دعوة إلى الفقر أو الحرمان، بل هي دعوة إلى التمرد الهادئ ضد نظام يجعل منك مستهلكًا دائمًا، وعاملاً أبديًا، ومتشتتًا مزمنًا. هي إعادة تعريف للنجاح: ليس بما تملك، بل بما تستطيع التخلي عنه. ليس بمدى انشغالك، بل بمدى عمق انتباهك. ليس بعدد علاقاتك، بل بجودة وجودك مع نفسك.

ابدأ صغيرًا: خصص ساعة في الأسبوع تكون فيها بلا أجهزة، مع نفسك فقط. اسأل عن كل شيء تملكه: "كم من حياتي دفعت ثمناً له؟ وهل يستحق ذلك؟". تخلَّ عن التزام اجتماعي واحد لا يعني لك شيئًا. اقرأ كتابًا واحدًا مرتين. امشِ في مكان قريب دون هدف سوى المشي نفسه.

أحلامك الحقيقية قد تكون أبسط بكثير مما أقنعك المجتمع بأن تحلم به. وقد تكون سعادتك أقرب بكثير مما تظن، لو توقفت عن الجري نحو أفق يبتعد كلما اقتربت منه.

منارات التواضع نماذج تاريخية جسدت جوهر البساطة : 

في سياق حديثنا السابق عن الحياة البسيطة كخيار أذكى، يبرز التاريخ نماذج حية تجسد هذه الفلسفة، حيث اختار أفراد عظماء العيش بتواضع وزهد رغم قدرتهم على الثراء أو السلطة. هذه الأمثلة ليست مجرد قصص، بل دروس عملية تُظهر كيف يمكن للبساطة أن تكون مصدر قوة داخلية، حرية، ورضا عميق. إليك بعض الأبرز منها، مستمدة من التراث الإسلامي والعربي والعالمي :

النبي محمد صلى الله عليه وسلم: قمة البساطة والقناعة

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم قدوة في البساطة، رغم أنه قائد أمة وصاحب سلطان. روى أنس بن مالك رضي الله عنه أنه حج على رحل رث وقطيفة تساوي أربعة دراهم أو لا تساوي، وقال: "اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة". كان يحلب معزته بيده، يصلح ملابسه، يرمم حذاءه، يساعد في أعمال البيت، ويزور الفقراء والمرضى. حياته كانت نموذجاً للتواضع والقناعة، فلم يجمع الدنيا رغم إمكانياته، بل قال: "لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء". هذا الزهد جعله محبوباً من أصحابه، وأثبت أن البساطة لا تنقص من العظمة بل تزيدها.

أبو العتاهية: شاعر الزهد في العصر العباسي

في العصر العباسي، الذي شهد ترفاً ومجوناً، برز أبو العتاهية (إسماعيل بن القاسم) كأبرز شاعر زهد. بعد حياة مليئة بالملذات، تحول إلى الزهد، وألف قصائد تدعو إلى التخلص من تعلق الدنيا. قال في إحدى قصائده:

"رغيف خبز يابس تأكله... في زاوية وكوز ماء بارد تشرفه... وغرفة ضيقة نفسك فيها خالية... أو مسجد بمعزل عن الورى في ناحية".

دعا إلى القناعة والتفكر في الموت والآخرة، محذراً من الفناء والحساب. شعره البسيط والمباشر جعله يصل إلى القلوب، وأصبح رمزاً للرد على تيار المجون.

المهاتما غاندي: البساطة كأداة للتحرر

عاش غاندي في بيت متواضع، يرتدي قماشاً ينسجه بنفسه، ويأكل طعاماً بسيطاً. رفض الرفاهية رغم إمكانياته، وقال إن السعادة في خدمة الآخرين والتخلص من الرغبات. تأثر بثورو، وجعل البساطة جزءاً من مقاومته السلمية للاستعمار البريطاني.

الفوائد النفسية للحياة البسيطة

أحد أبرز الأسباب التي تجعل العيش بحياة بسيطة خياراً ذكياً هو تأثيرها الإيجابي على الصحة النفسية. في زمن التوتر المزمن، حيث يعاني أكثر من 264 مليون شخص حول العالم من الاكتئاب وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، تقدم البساطة حلاً فعالاً. تخيل حياة خالية من الضغوط الناتجة عن الديون المتراكمة أو الالتزامات غير الضرورية؛ هذا هو جوهر البساطة.

عندما نختار البساطة، نقلل من "الضوضاء" في عقولنا. على سبيل المثال، في كتاب "فن العيش البسيط" للكاتب شون مايكلز، يُبرز كيف أن تقليل الممتلكات يقلل من القلق المرتبط بالحفاظ عليها. دراسات في علم النفس الإيجابي، مثل تلك التي أجرتها جامعة كاليفورنيا، تظهر أن الأشخاص الذين يعيشون ببساطة يتمتعون بمستويات أعلى من الرضا عن الحياة. لماذا؟ لأن البساطة تسمح بالتركيز على اللحظة الحاضرة، مما يعزز اليقظة الذهنية (المايندفولنس).

في سياقنا العربي، نجد أن الثقافة الإسلامية تروج للقناعة، كما في الحديث الشريف: "القناعة كنز لا يفنى". هذه القناعة تحول النظرة من "ما ينقصني" إلى "ما أملكه"، مما يقلل من الغيرة والحسد. إذا كنت تسأل كيف تعيش حياة بسيطة وبسعادة، فابدأ بممارسة الشكر اليومي؛ اكتب ثلاثة أمور تشكر عليها كل صباح، وستلاحظ تغييراً في مزاجك.

الفوائد الصحية الجسدية

لا تقتصر فوائد البساطة على العقل؛ بل تمتد إلى الجسد أيضاً. العيش ببساطة يعني اختيار الطعام الطبيعي، الحركة اليومية، والراحة الكافية، بعيداً عن الإفراط في الاستهلاك. دراسة من مجلة "لانسيت" تشير إلى أن أنماط الحياة المعقدة، مثل الاعتماد على الوجبات السريعة والعمل المكتبي الطويل، تسبب أمراضاً مزمنة مثل السمنة والسكري.

بالمقابل، الحياة البسيطة تشجع على النشاط البدني الطبيعي، مثل المشي في الطبيعة أو العمل اليدوي. في اليابان، يُعرف مفهوم "إيكيغاي" (سبب الوجود) الذي يرتبط بالبساطة، ويُعتقد أنه يساهم في طول العمر لدى سكان أوكيناوا. كيف نعيش حياة بسيطة هنا؟ جرب تقليل الاعتماد على السيارات، واستبدلها بالدراجات أو المشي، واختر وجبات منزلية بسيطة مثل الخضروات والفواكه الطازجة. هذا لا يوفر المال فحسب، بل يحسن اللياقة البدنية ويقلل من خطر الإصابة بالأمراض.

علاوة على ذلك، البساطة تحمي من الإرهاق. في عصر الشاشات، حيث يقضي الإنسان متوسطاً 7 ساعات يومياً أمام الهواتف، تقترح البساطة "الديتوكس الرقمي"، أي تخصيص أوقات خالية من التكنولوجيا. هذا يحسن النوم والتركيز، مما يجعلك أكثر إنتاجية دون جهد إضافي.

الفوائد المالية والاقتصادية

من الناحية المالية، يُعد العيش بحياة بسيطة استثماراً ذكياً. في ظل الركود الاقتصادي العالمي، حيث ارتفع معدل الديون الشخصية إلى مستويات قياسية، تقدم البساطة حلاً بتقليل الإنفاق غير الضروري. كتاب "المليونير البسيط" لتوماس ج. ستانلي يوضح كيف أن الأثرياء الحقيقيين يعيشون بتواضع، مما يسمح لهم بتوفير المزيد.

كيف تعيش حياة بسيطة وبسعادة مالياً؟ ابدأ بتطبيق قاعدة "الاحتياج مقابل الرغبة". قبل شراء أي شيء، اسأل نفسك: هل أحتاجه فعلاً؟ هذا يقلل من الإنفاق العشوائي ويبني احتياطياً مالياً. في السياق العربي، نجد أن الاقتصادات الناشئة مثل المغرب أو مصر تشجع على الادخار من خلال الثقافة التقليدية، حيث كان الأجداد يعتمدون على القليل ليعيشوا سعادة.

بالإضافة إلى ذلك، البساطة تفتح أبواباً للاستقلال المالي. بدلاً من العمل في وظائف مرهقة لشراء أشياء لا تحتاجها، يمكنك التركيز على مهاراتك لتحقيق دخل إضافي بسيط، مثل البستنة أو التدريس عبر الإنترنت.

التحديات والحلول

بالطبع، تبني الحياة البسيطة ليس سهلاً. قد تواجه ضغوطاً اجتماعية، مثل النظرة إلى الثراء كمقياس للنجاح. الحل: تذكر أن السعادة داخلية، وليست في الظهور. إذا شعرت بالإحباط، ابدأ بخطوات صغيرة.

في الثقافة العربية، قد يُنظر إلى البساطة كضعف، لكن تاريخنا مليء بأمثلة مثل الإمام الشافعي الذي عاش بتواضع رغم علمه.

كيف نعيش الحياة بطريقة صحيحة؟

أخيراً، العيش بطريقة صحيحة يعني التوازن بين الجسد والعقل والروح. البساطة هي المفتاح، لأنها تمنحك الحرية لتحقيق أهدافك دون عبء.


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة